
| مواضيع إسلامية عامة أدعية وأحاديث ومعلومات دينية مفيدة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
|
#1 | ||||||||||||||
![]() ![]()
شكراً: 9,478
تم شكره 17,570 مرة في 8,937 مشاركة
|
تغيّر المشيئة لحكمته... وثبات الإرادة لعظمته تحدثنا في الجزء الأول عن الفرق بين المشيئة والإرادة، وبيّنا أن مشيئة الله خاصة متغيرة ومتبدلة بحسب ما تقتضيه حكمته، بينما إرادته عامة ثابتة مستقرة لا تتغير ولا تتبدل وهذا من دلائل عظمته، واليوم سنقف عند سؤال دقيق جدًا: لماذا جاءت (لو) الشرطية مع مشيئة الله في مواضع كثيرة من القرآن، بينما لم تأتِ مع إرادته إلا في موضعين فقط في كل القرآن؟ هل هو مجرد اختلاف في الأسلوب؟ أم أن وراء هذا الاختيار القرآني دلالة بيانية عميقة؟ تعالوا نتأمل... أولًا: ما طبيعة (لو) الشرطية؟ (لو) الشرطية حرف امتناع لامتناع. أي أن فيها أمرين: امتناع فعل الشرط، وامتناع جواب الشرط لامتناع فعل الشرط. فالجواب لم يقع؛ لأن الشرط لم يقع أصلًا. ومن هنا فإن تركيب (لو) يقوم على الافتراض والحركة بين حالتين: ماذا لو وقع الشرط؟ وماذا كان سيترتب عليه لو وقع؟ وهذا يجعلها ـ من حيث طبيعة السياق الذي تأتي فيه ـ ذات مساحة من المرونة والافتراض، لا من الجمود والثبات. وهنا يبدأ السؤال: فإذا كانت مشيئة الله ـ كما بيّنا ـ مرنة متحركة ومتغيرة بما تقتضيه حكمته، أليس من الأبلغ أن تكون (لو) أكثر التصاقًا بها؟ وإذا كانت إرادة الله ثابتة صلبة ومستقرة لا تتغير، أليس من الأبلغ أن تكون (لو) بعيدة عنها؟ وعندما نعود إلى القرآن، نجد شيئًا لافتًا جدًا: (لو) الشرطية جاءت مع المشيئة في نحو سبعة وعشرين موضعًا، بينما لم تأتِ مع الإرادة إلا في موضعين فقط! والأعجب من هذا هو أن الموضعين اللذين جاءت فيهما (لو) مع الإرادة يتعلقان بأمرين لا يليقان بعظمة الله أصلًا. وهنا تبدأ الصورة بالاكتمال. مع المشيئة: الخياران ممكنان.. والحكمة تختار تأملوا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: 93] فلو سألنا: هل الله قادر على جعلنا امة واحدة ؟ بلا شك قادر. وهل هذا جائز ام إنه يتعارض مع عظمة الله؟ بلا شك جائز ولا يتعارض مع عظمة الله اطلاقا. بل لو جعل الله الناس أمة واحدة، لكان أدعى لبيان عظمته وقدرته لإستحالة هذا الامر بالنسبة الينا. إذن لماذا لم يفعل؟ الجواب ببساطة...لأن حكمته اقتضت ذلك. لاحظوا الفرق: لم يكن عدم وقوع الأمر بسبب عجز، ولا لأن الفعل يتعارض مع عظمة الله، وإنما لأن الحكمة الإلهية اختارت أحد الأمرين دون الآخر. فكان الأمران في دائرة الممكن: أن يجعلنا أمة واحدة، أو أن يجعلنا مختلفين. لكن الله اختار ما شاء بحكمته. وتأملوا قوله تعالى: { أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَیۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَاۤءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنࣰا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَیۡهِ دَلِیلࣰا } [الفرقان:45] مرة أخرى نسأل: هل الله قادر على جعل الظل ساكنا ؟ وهل هذا جائز ام انه يتعارض مع عظمة الله ؟ بلا شك قادر وهذا جائز ولا يتعارض مع عظمة الله فلماذا مدّه إذن؟ لأن حكمته اقتضت ذلك. ويقول تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: 149] هل الله قادر على هداية الناس جميعًا؟ وهل هذا جائز ام انه يتعارض مع عظمتة؟ بلاشك قادر وهذا جائز ولا يتعارض مع عظمته؟ بل إن هداية الناس جميعًا أدعى لبيان عظمته لإستحالة الامر بالنسبة الينا. فلماذا لم يهدهم جميعًا؟ لأن حكمته اقتضت ذلك. ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: 99] وايضا لو سألنا نفس الاسألة لكانت الإجابة نفسها. وهذا سنجده في كل مواضع (لو) الشرطية مع المشيئة، أي إن (لو) مع المشيئة تفتح أمامنا أمرين ممكنين: أن يقع الأمر أو أن لا يقع. ثم يأتي اختيار الله لأحدهما وفق ما تقتضيه حكمته. ولكن... ماذا سيحدث عندما تأتي (لو) مع الإرادة؟ هنا سيتغير المشهد تمامًا. فإذا كانت (لو) تتناسب مع المشيئة لِما فيها من افتراض وحركة بين احتمالين، فإنها لا تتناسب مع الإرادة لِما فيها من ثبات ورسوخ على إحتمال واحد فقط، وهذا يفسر لنا لماذا لم ترد (لو) مع الإرادة إلا في موضعين فقط في كل القرآن؟ ولماذا جاء هذان الموضعان تحديدًا في أمرين لا يليقان بعظمة الله وجلاله؟ الجواب ـ في هذا التأمل ـ أن الفرق هو بين: منعٍ مصدره الحكمة، ومنعٍ مصدره العظمة. فمع المشيئة: الأمران ممكنان وجائزان، ولكن الحكمة اختارت أحدهما. أما مع الإرادة: فأحد الأمرين لا يليق بالله أصلًا، وعظمته وجلاله يمنعانه. والدليل: الموضع الأول: كان في إتخاذ الولد، يقول تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: 4] تأملوا دقة التعبير: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾ ولم يقل: «لو شاء الله». فلو سألنا السؤال نفسه الذي سألناه مع المشيئة: هل الله قادر على أن يتخذ ولدا ؟ الجواب، نعم قادر لانه قادر على كل شيء . ولكن هل هذا جائز ام انه يتعارض مع عظمة الله ؟ قطعًا غير جائز، ليس لأن الله عاجز، ولا لأن القدرة الإلهية قاصرة، وإنما لأن اتخاذ الولد لا يجوز في حق الله ولا يليق بعظمته وجلاله. ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ فالمقام هنا مقام تنزيه وتعظيم لا مقام تعدد احتمالات. وكأن السياق يقول لنا: هذا الأمر ليس مما تختاره الحكمة بين جائزين، وإنما هو أمر لا يليق بالله أصلًا، ولذلك تنزّه الله عنه. الموضع الثاني: اتخاذ اللهو يقول تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 17] مرة أخرى قال: ﴿لَوْ أَرَدْنَا﴾ ولم يقل: «لو شئنا». ولو سألنا: هل الله قادر على ان يتخذ لهوا؟ نعم قادر لانه قادر على كل شي. ولكن هل هذا جائز في حق الله ام يتعارض مع عظمته؟ قطعًا غير جائز. لأن الله سبحانه منزّه عن اللهو والعبث، ولا يليق هذا بعظمته وجلاله. إذن تكرر الأسلوب نفسه: (لو) + الإرادة + أمر لا يليق بعظمة الله. وهنا سيصبح السؤال أكثر إثارة: فلماذا هذا الاختيار الدقيق؟ لماذا قال: «لو أراد» أصلًا؟ فقد يقول قائل: إذا كان اتخاذ الولد مستحيلًا ولا يليق بعظمة الله، فلماذا ذكره الله بصيغة افتراضية؟ لماذا قال: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ بدلًا من أن يقول مثلًا: «ما أردنا أن نتخذ ولدًا»؟ لكي يقطع اي احتمال آخر تماما. أليس في قول: «لو أراد» إعطاء احتمال ثم نفيه؟ فلماذا هذا الأسلوب؟ هنا ستظهر ـ في هذا الفهم ـ دقة التعبير القرآني. فلو قال الله: «ما أردنا أن نتخذ ولدًا» فقد يقول قائل: ربما كان عدم اتخاذ الولد سببه عدم القدرة عليه. كما أن الإنسان قد يكون عاجزًا عن الإنجاب رغم ارادته بسبب العقم مثلا او لانه لم يجد الشريك المناسب له. لذا حين يأتي التعبير: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾ لكي يبيّن لنا أن المنع لم يكن عن عجز، وإنما عن أمر لا يليق بجلال الله وعظمته. فالقدرة المطلقة شيء، والإرادة شيء، وما يليق بعظمة الله شيء آخر تماما. فالله قادر على اتخاذ الشيرك والصاحبة والولد لان قدرته مطلقة. ولكن قدرته المطلقة ستتوقف هنا امام عظمته وجلاله. ومن هنا جاء هذا التعبير الدقيق: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾ ثم جاء الرد: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ ثم: ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ وكأن عظمة الله وجلاله هما اللذان يردّان هذا الأمر وينزّهانه عنه. ومن جمال البيان القرآني نجد بأن اتخاذ (اللهو) اخف وطأةً من اتخاذ (الولد) وبلا شك ان كلاهما لا يليقان بالله. ولكن الله شدد في اكثر من موضع على عدم اتخاذ الولد او الشريك لأنهما نُسبا اليه اكثر من نسب اللهو، ولهذا أكّد في سورة الاخلاص على نفيها. ونحلاظ مع اتخاذ الولد قال: { لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن یَتَّخِذَ وَلَدࣰا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا یَخۡلُقُ مَا یَشَاۤءُۚ سُبۡحَـٰنَهُۥۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَ ٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ } ٤ الزمر. فهنا اظهر اسمه العلم (الله) مرتين وكان من الممكن ان يكتفي بالاشارة اليه بالضمير فيقول مثلا ( سبحانه الواحد القهار) ولكنه أكّد على تكرار اظهاره وقال (سبحانه هو الله الواحد القهار).. بل وذكر إسمين آخرين هما، ( الواحد والقهار) وقال (سبحانه) تنزيها وتعظيما له. لان السياق كله في تعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به.. بينما مع إتخاذ اللهو قال: { لَوۡ أَرَدۡنَاۤ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوࣰا لَّٱتَّخَذۡنَـٰهُ مِن لَّدُنَّاۤ إِن كُنَّا فَـٰعِلِینَ } ١٧ الانبياء. ففي هذه الآية لم يظهر اسمه العلم (الله) ولا مرة بل ولا أي اسم آخر من أسمائه الحسنى؟ لانه حيثما عَظُم السياق ظهرت اسماء الله لتعظيمه اكثر، وهنا نصل إلى خلاصة الفكرة فإذا كانت حكمة الله هي التي منعت أحد خياري (لو) في سياق المشيئة، فإن عظمته هي التي منعت أحد خياري (لو) في سياق الإرادة. ومع المشيئة: الخياران ممكنان، لكن حكمة الله اختارت أحدهما. بينما مع الإرادة: أحد الخيارين لا يليق بالله، والعظمة منعته. وهنا يظهر سر ذلك الاختلاف الدقيق في التعبير القرآني: «لو شاء» في مواضع تتعلق بحكمة الله واختياره، و«لو أراد» في مواضع تتعلق بعظمة الله وجلاله. والآن أسأل واقول... لو كان هذا الفهم في الفرق بين المشيئة والإرادة، وهذا التأمل في دلالة (لو) الشرطية حاضرًا أمامك منذ البداية: فأين كنت ستضع (لو) مع المشيئة؟ وأين كنت ستضعها مع الإرادة؟ بل سأسأل سؤالًا أعمق: لو أن القرآن قال: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ بدلًا من: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ أو قال: ﴿لَوْ شِئْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ بدلًا من: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ فمن من الإنس والجن سيعترض؟ بل من منهما سينتبه أصلًا إلى هذا الفرق الدقيق بين: «شاء» و «أراد»؟ وهنا ندرك بأن القرآن لا يضع كلمة مكان كلمة اعتباطًا، ولا يستبدل لفظًا بلفظ لمجرد التنوع. بل إن وراء كل اختيار سرًا بيانيًا، ودلالةً دقيقة، وحكمةً عظيمة. هذا هو كلام الله العظيم... الذي تخشع له العقول، وتهيم به الأرواح. من كتاب: «أنس القرآن وروعة البيان» للدكتور أنس كمال ساعد في النشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك المصدر: منتديات حبة البركة - من قسم: مواضيع إسلامية عامة |
||||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]()
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
مرحبا أيها الزائر الكريم, قرائتك لهذه الرسالة... يعني انك غير مسجل لدينا
في الموقع .. اضغط هنا للتسجيل
.. ولتمتلك بعدها المزايا الكاملة, وتسعدنا بوجودك