أهلا وسهلا بكم, يرجى التواصل معنا لإعلاناتكم التجارية

انت الآن تتصفح منتديات حبة البركة

العودة   منتديات حبة البركة > القسم المتنوع > ثقاقة عامة وشعر
ثقاقة عامة وشعر معلومات ثقافية وشعر

 

 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم اليوم, 03:54 AM   #1


الصورة الرمزية مجموعة انسان
مجموعة انسان غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 4
 العلاقة بالمرض: مصابة
 المهنة: لا شيء
 الجنس ~ : أنثى
 المواضيع: 76404
 مشاركات: 6477
 تاريخ التسجيل :  Aug 2010
 أخر زيارة : اليوم (03:54 AM)
 التقييم :  95
 مزاجي
 اوسمتي
التميز مشرف مميز 
لوني المفضل : Cadetblue
شكراً: 9,478
تم شكره 17,570 مرة في 8,937 مشاركة
افتراضي المغرب.. فلسفة السِّتر 




المغرب.. فلسفة السِّتر
.
من الكلمات التي توقفت أمامها طويلا في المغرب كلمة تبدو بسيطة جدا: السِّتر.

ليست الفكرة أن يكون الإنسان غنيا، ولا أن يبدو سعيدا، ولا حتى أن تخلو حياته من المشاكل.. الفكرة الأكثر عمقا هي أن تظل له مساحة لا يقتحمها الآخرون، وأن يحتفظ البيت بأسراره، وأن تمر الأزمة بأقل قدر ممكن من الضجيج.

لهذا تسمع المغربي يقول عن إنسان: «مستور».
والكلمة أجمل من كلمة غني.

لأن الغنى حساب في البنك، أما الستر فهو حالة كاملة: سقف فوق الرأس، لقمة موجودة، كرامة مصونة، وأسرار لا تتسكع في الشارع.

وقد فهمت مع الوقت أن كثيرا من البيوت المغربية القديمة بُنيت تقريبًا بالفلسفة نفسها.

من الخارج قد لا ترى شيئا.

باب ثقيل، جدار هادئ، نافذة صغيرة أو واجهة لا تقول الكثير.

ثم تدخل...
فتجد الفناء، والزليج، والنقش، والنبات، والضوء يهبط من السماء إلى قلب الدار.

كأن البيت المغربي القديم يقول لك شيئا عن صاحبه:
ليس ضروريا أن يعرف المارّة كل ما أملك.

وهذه ليست هندسة فقط.

إنها ثقافة.

ففي مجتمعات كثيرة أصبح النجاح محتاجا إلى جمهور؛ بيتك، سفرك، طعامك، حزنك، فرحك، هديتك لزوجتك، درجات أولادك، وحتى مرضك يجب أن يعرفه الناس.

أما في جزء عميق من الشخصية المغربية القديمة، فما زالت هناك مقاومة لهذا الاستعراض.

قد تجلس إلى رجل في مقهى شعبي، بثياب شديدة البساطة، فلا تعرف أن لديه أرضا أو تجارة أو بيتا واسعا.

وقد تعرف امرأة سنوات ولا تسمع منها تفاصيل بيتها.

وقد تمر عائلة بأزمة حقيقية، ثم تقابلهم في مناسبة فيستقبلونك بالشاي والحلوى وكأن شيئا لم يحدث.

ليس لأن الحياة مثالية.

ولكن لأن هناك حدودًا قديمة بين ما يُعاش وما يُعرض.

وهذه الحدود هي الستر.

حتى الضيافة المغربية تحمل شيئًا من هذه الفلسفة.

قد يكون البيت محدود الإمكانات، لكن الضيف لا ينبغي أن يشعر بذلك.

سيظهر الشاي.

وسيظهر الخبز.

وسيخرج من مكان مجهول طبق لم تكن تتصور أنه موجود.

وقد تسمع صاحب البيت يعتذر لك لأن «ما كاين والو»، بينما المائدة أمامك تكفي حيا صغيرا!

والمسألة ليست طعاما.

إنها دفاع عن كرامة البيت.

فالضيف لا يدخل إلى حسابك البنكي؛ يدخل إلى حرمة دارك، ومن حق الدار أن تظهر أمامه مرفوعة الرأس.

وأظن أن عبارة مغربية صغيرة تختصر عالما كاملا: «الله يستر».

تقال أمام المستقبل المجهول.

تقال عند الخوف.

تقال عندما يسمع الإنسان مصيبة.

وتقال أحيانا بلا مناسبة واضحة، كأن المغربي يعرف بالفطرة أن الحياة لا تحتاج دائما إلى المعجزات؛ يكفي أحيانا أن تمر بسلام.

وهنا الفرق.

هناك من يسأل الله المزيد.

وهناك لحظات يسأله المغربي فيها فقط ألا يأخذ الموجود.

أن يستر البيت.

ويستر الأولاد.

ويستر الصحة.

ويستر الرزق.

ويستر الإنسان من مذلة السؤال.

وربما لهذا كان الفقر نفسه، في الثقافة الشعبية القديمة، أقل قسوة من الحاجة إلى الناس.

فالإنسان قد يحتمل قلة المال، لكنه يخشى أن تنكشف حاجته.

ومن هنا جاءت تلك الكرامة الصامتة التي تستطيع أن تراها خصوصا عند كبار السن: امرأة تحسب الدراهم بعناية شديدة، لكنها تصر أن تقدم لك شيئا؛ ورجل يعيش بالقليل، لكنه يغضب إذا حاولت معاملته باعتباره مسكينا.

هو لا يريد شفقتك.

يريد فقط أن تترك له ستره.

لكن أجمل ما في الفكرة أن الستر ليس إخفاءً للفقر وحده.

إنه إخفاء النعمة أيضا.

فالنعمة عند القدماء لا تحتاج دائما إلى إعلان.

هناك خوف من العين، نعم، لكن خلف المعتقد الشعبي حكمة اجتماعية أيضا: لا تجعل حياتك كلها معروضة للمقارنة.

لا تخبر الناس بكل ما ربحت.

ولا بكل ما اشتريت.

ولا بكل ما يدور داخل بيتك.

اترك لنفسك شيئا لا يعرفه أحد.

وفي زمن أصبحت فيه الحياة نافذة مفتوحة على مدار الساعة، تبدو هذه الفلسفة المغربية القديمة شديدة الحداثة على نحو غريب.

فنحن اكتشفنا بعد السوشيال ميديا أن الإنسان يحتاج إلى الخصوصية كي يبقى سليما، بينما كانت الجدة المغربية تعرف ذلك دون أن تقرأ كتابا في علم النفس.

كانت تغلق باب الدار وتقول ببساطة:
«اللي فالدار يبقى فالدار».

ربما لهذا أحب الأبواب المغربية القديمة.

ليست وظيفتها أن تمنع الناس من الدخول فقط.

إنها تفصل عالمين: عالما يحق للناس أن يروه.. وعالما يخصك أنت.

وفي رأيي، هذه واحدة من أجمل الأفكار التي خبأها المجتمع المغربي في كلمة واحدة: أن تكون بخير أمر جميل، لكن الأجمل أن تكون بخير دون أن تضطر كل يوم إلى إثبات ذلك لأحد.

ذلك هو السِّتر.

ساعد في النشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك





 
 توقيع : مجموعة انسان







رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية
مرحبا أيها الزائر الكريم, قرائتك لهذه الرسالة... يعني انك غير مسجل لدينا في الموقع .. اضغط هنا للتسجيل .. ولتمتلك بعدها المزايا الكاملة, وتسعدنا بوجودك

الساعة الآن 05:43 AM.


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026