
| مواضيع إسلامية عامة أدعية وأحاديث ومعلومات دينية مفيدة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#1 | ||||||||||||||
![]() ![]()
شكراً: 9,478
تم شكره 17,570 مرة في 8,937 مشاركة
|
الجزء الثالث 🔥🔥🔥: الأمانة التي حملها الإنسان قبل أن نفتح باب الحمد — كيف يرتبط حمل الأمانة بالتسبيح والمسار والاستجابة؟ ━━━━━━━━━━━━━━━━━━ قبل أن نفتح باب الحمد، أريد أن نربط أولًا الخيوط التي وصلنا إليها في الأجزاء السابقة؛ لأن السؤال عن الحمد لن يكون مفهومًا إذا فصلناه عن التسبيح، ولا عن المسار، ولا عن الاستجابة التي توقفنا عندها. وصلنا إلى أن التسبيح حركة؛ حركة كل شيء داخل المسار الذي أقامه الله له، دون اعتراض ودون حيد عنه. ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]. فكل شيء في هذا الوجود يسبّح، والتسبيح ليس حركة عشوائية، بل حركة داخل مسار محدد أقامه الله لكل شيء. الشمس تجري لمستقر لها، والقمر لا يخرج عن منازله، وكل شيء يتحرك على النظام الذي أُقيم له، لا يحيد عنه ولا يعترض عليه. والقرآن يضع أمامنا صورة واضحة لهذا الخضوع: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11]. فالسماء والأرض تأتيان طائعتين؛ لأنهما لا تملكان الخروج عن الأمر ولا الاعتراض على المسار الذي أُقيمتا عليه. ويظل كل شيء يسير في مساره دون اعتراض، ولا يحيد عنه، إلا الإنسان. ━━━━━━━━━━━━━━━━━━ فالإنسان هو الذي حمل الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]. وهنا تأتي نقطة مهمة اشرنا اليها في مواضع كثيرة. فالإنسان هو الإنس والجن (إنسان =انس+جان)، وهو الذي حمل الأمانة؛ لأنه بات قادرًا على الاختيار، وعلى الاعتراض، وعلى العودة. ولهذا لم تأتِ كلمتا ﴿ظَلُومًا جَهُولًا﴾ عرضًا. ففي آدم، جانب الإنس، ظهر ظلم النفس حين خالف ما نُهي عنه؛ وفي إبليس، جانب الجن، ظهر الجهل بحقيقة الأمر وما وراءه، فاعترض واستكبر. ومن هنا تكشف لنا الآية طرفي الإنسان: ظلومًا وجهولًا. وكما أوضحنا في حديثنا عن من هو آدم ومن هو إبليس، فإن آدم ليس أبًا بيولوجيًا للبشر حتى تكون له ذرية بالمعنى الذي اعتدناه؛ لذلك لم يقل القرآن ابدا "ذرية ادم" وإنما بني آدم ..بني ادم هم من هذا البنيان نفسه، والإنسان هو نتيجة اقتران الإنس بالجن. فآدم يمثل جانب الإنس، وإبليس يمثل جانب الجن، والإنسان هو هذا التركيب الذي خالف الأمر الإلهي (الإنس متمثل في ادم خالف والجن متمثل في ابليس خالف ايضا) لذلك جاء حمل الأمانة. الكون كله يخضع الا ذلك الكائن المركب. ولهذا أصبح الإنسان (انس +جان) وحده قادرًا على أن يسير في المسار، أو يعترض عليه، ثم يعود إليه. ━━━━━━━━━━━━━━━━━━ نحن نعيش دار اختبار، لا دار قرار: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: 39]. ولهذا كانت ظلمات الإنسان جزءًا من تجربته في هذه الدار؛ ظلمات يدخلها حين يخطئ مساره، كما حدث مع يونس. لكن الخروج من الظلمات لا يكون بالخروج من المسار، وإنما بالعودة إليه بالتسبيح والاستقامة فيه. ولهذا يقول الله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: 43]. فالعودة إلى المسار ليست فكرة مجردة؛ إنها صلة بالله وإقامة لما أمر به: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. وإقامة الصلاة ليست فعلًا ينتهي بانتهاء وقت معين؛ فالإقامة استمرار في إقامة الشيء على ما أُقيم له. أنت تقيم العدل، ولا يعني ذلك أنك تقيمه في ساعة ثم تتركه، بل تظل قائمًا به. ثم يقول تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]. ودقة التعبير هنا مهمة: الموقوت هو «كتابًا»، وليس إقامة الصلاة. فالكتاب هو الذي جُعل موقوتًا؛ أي إن له أوقاتًا معلومة يرجع فيها الإنسان إليه، بينما إقامة الصلاة نفسها ليست فعلًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء الوقت. ولماذا الرجوع إلى الكتاب؟ لأن القرآن نفسه يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. والذكر هو ما أنزله الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. فالصلاة تعيد الإنسان إلى الذكر، إلى القرآن، إلى القانون الإلهي الذي أُقيم له المسار؛ لأن الإنسان، بخلاف سائر الأشياء، يستطيع أن يغفل وأن يعترض وأن ينحرف. ولذلك يقول الله عن الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. فالغاية أن يعود الإنسان إلى الذكر فيتذكر القانون الإلهي، فيبقى قائمًا على ما أُقيم له، ولا يخرج عن المسار إلى الفحشاء والمنكر. فالكتاب موقوت، والرجوع إليه موقوت، أما إقامة الصلاة فاستمرار؛ والذكر هو الذي يحفظ هذه الإقامة، ويعيد الإنسان إلى المسار كلما غفل عنه. ومن هنا جاءت قصة يونس. ━━━━━━━━━━━━━━━━━━ يونس خرج عن مسار التسبيح، ثم عاد إليه بقوله: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. فجاءت الاستجابة: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88]. فالاستجابة تأتي والإنسان داخل المسار؛ وإن خرج عنه، فالرجوع إلى المسار بالتسبيح يعيده إلى طريق الاستجابة. أما أيوب، فيكشف لنا وجهًا آخر من الاستجابة. فأيوب لم يخرج عن المسار رغم الألم، بل بقي فيه، فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]. لم يحوّل ألمه إلى اعتراض، ولم يخرج من تجربته ليقارن نفسه بغيره، لم ينظر إلا لحاله (اني) ورحمه خالقه التي شملت كل شيء..لذلك قال: ﴿وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. ويؤكد القرآن حاله في موضع آخر: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]. صابر، وأوّاب؛ أي يسبح في الاتجاه نفسه (يتحرك داخله) راجع إلى الله دائمًا (مقيم الصلاه) والصلاة كما وضحنا معناها الحرفي من القرآن هي القرب والملازمة من الله والطريق الذي رسمه بالاقامه فيه. ولهذا جاءت الاستجابة: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: 84]. فالتسبيح لا يعني غياب الألم، وإنما يعني البقاء في المسار دون اعتراض. وحتى عندما يجد الإنسان نفسه في بطن الحوت بسبب خروجه عن المسار بإرادته، أو في ظرف لم يختره، فإن الخروج من الظلمات يأتي بالاستجابة لله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. فرعاية الله وملائكته ملازمة للإنسان لتخرجه من الظلمات إلى النور: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: 43]. فمن ظلمات الحوت إلى النور، تكون العودة بالاستجابة لله والرجوع إلى المسار والإقامة فيه. وعلى الرغم من ذلك، قد تترك التجربة جراحها، ويهيئ الله من عنده ما يداويها ويضمّدها؛ وفي قصة يونس جاء ذلك واضحًا: ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: 146]. فاليقطين يأتي بعد النجاة ليضمّد آثار التجربة؛ وكأن الله، بعد أن يعيد الإنسان إلى المسار، يهيئ له من عنده ما يداوي جراحه. ━━━━━━━━━━━━━━━━━━ ثم وصلنا إلى الآية التي فتحت لنا بابًا جديدًا في معنى الاستجابة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]. تأملوا بداية الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. السؤال هنا عن الله، لا عن العطاء. إنه سؤال عن حضور الله في حياة الإنسان، فيأتي الجواب مباشرة: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. ثم: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. وهنا تتضح طبيعة الدعوة في هذه الآية: هي استدعاء للحضور، وليست استجداءً للعطاء. ثم يحدث الأمر الأهم؛ فبعد أن يستدعي الإنسان حضور الله، تأتي الاستجابة من الله، ثم تأتي دعوة الله للإنسان: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. فتكتمل الدائرة: هم يستدعون حضوره 👈 هو يجيب بالقرب 👈 ثم يدعوهم إلى الاستجابة له 👈 فيستجيبون له 👈 فيرشدون. والرشد هنا هو الرجوع إلى المسار؛ إلى الصلة بربه، وإلى إقامة الصلاة، وإلى الاستجابة لما أمر الله به. ━━━━━━━━━━━━━━━━━━ ثم يأخذنا القرآن إلى موضع آخر يضع الاستجابة والحمد في جملة واحدة: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 52]. الله يدعو، والإنسان يستجيب. لكننا هنا لا نريد أن نسبق الجزء القادم إلى تفسير الحمد. بل نتوقف عند السؤال الذي تركته لنا الآية نفسها. إذا كان التسبيح حركة، وإذا كانت هذه الحركة داخل مسار أقامه الله لكل شيء، وإذا كان الإنسان يستطيع أن ينحرف عن المسار ثم يعود إليه بالتسبيح، وإذا كانت الاستجابة نفسها مرتبطة بالحمد، فماذا يعني قوله: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾؟ ثم نعود إلى الآية التي فتحت هذه السلسلة: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. هنا تتوقف الرحلة كلها أمام كلمة واحدة: بحمده. فما هذا الذي يسبّح به كل شيء؟ وما الذي تكون به استجابة الإنسان؟ ولماذا لا نفقه تسبيحهم؟ ولماذا لم يقل القرآن: «يسبح بشكره»؟ ولماذا لم يأمرنا في موضع واحد: «احمدوا الله»، بينما أمرنا صراحة: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]؟ إذا كان كل شيء يسبّح بحمده، وإذا كانت استجابتنا تكون بحمده، فلابد أن نتوقف أمام هذه الكلمة قبل أن نكمل. فما هو الحمد؟ وهل الحمد هو الشكر؟ هذا هو الباب الذي سنفتحه في الجزء القادم. يتبع.. ساعد في النشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك المصدر: منتديات حبة البركة - من قسم: مواضيع إسلامية عامة |
||||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]()
|
|
|
مرحبا أيها الزائر الكريم, قرائتك لهذه الرسالة... يعني انك غير مسجل لدينا
في الموقع .. اضغط هنا للتسجيل
.. ولتمتلك بعدها المزايا الكاملة, وتسعدنا بوجودك