![]() |
"البركة التي لا يشتريها مال"
"البركة التي لا يشتريها مال". الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛ فمن أعظم ما يحتاج إليه الناس في زماننا أن يعقِلوا الفروق الدقيقة بين المفاهيم التي يخلطون بينها، فيحسبون المتشابه مختلفاً، والمختلف متشابهاً، فيقعون في الحيرة والاضطراب، ويحكمون على أنفسهم وعلى غيرهم بما لا يليق. ومن أعظم هذه الفروق أثراً في حياة الناس: التفريق بين كثرة الرزق وبركته، وبين الأمن والطمأنينة، وبين ضيق العيش وضنكه. فكثير من الناس يظن أن الإيمان ضامن لسعة الرزق، وأن الإعراض عن ذكر الله موجب لضيق العيش الحسي، وليس الأمر كذلك على إطلاقه؛ بل إن الله لم يضمن بالإيمان والتقوى كثرة الرزق، وإنما ضمن لأهل الإيمان والتقوى بركة الرزق وطمأنينة القلب. وهناك فرق كبير بين "كثرة" الرزق الذي قد يقدره الله لمن يُحِب ومن لا يُحِب، وبين "بركة" الرزق التي لا تكون إلا لمن يُحب؛ حتى وإن قل ماله. وقبل أن نمضي في التفصيل، ينبغي أن نُدرِك أن الرزق في مفهومه القرآني أوسع من المال وأعظم من المتاع؛ فأعظم الرزق الإسلام، والعمل الصالح، والزوجة الصالحة، والأبناء الذين يقرون العين، والصحة التي يفتقرها عنها كثير من أصحاب الأموال. وقد ضرب الله لنا في كتابه أمثلة على أن الرزق الحقيقي قد يكون في غير ما يعده الناس مالاً؛ فإسماعيل عليه السلام لم يكن له مال يُذكر حين امتحن الله أباه بذبحه، ولكن كان له من اليقين والطاعة والبر ما هو أعظم من متاع الدنيا وما فيها. تأمل المشهد القرآني: إبراهيم عليه السلام يرى في المنام أنه يذبح ابنه، فيعرض الأمر عليه لا ليشاوره في طاعة الله، ولكن ليستخرج منه ما في قلبه من الإيمان؛ فيأتيه الجواب الحاسم الذي لم يسبقه تردد ولا تلعثم: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. ثم ينتهي المشهد إلى الفداء العظيم، ويُخَلِد القرآن هذا الموقف فيُثني على إبراهيم وابنه عليهما السلام، ويصف الفداء بأنه "ذِبح عظيم". فمن يملك هذا اليقين وهو غلام لم يبلغ أشده، كيف يُقال عنه إنه كان فقيراً؟ إنه كان من أغنى الناس بالرزق الحقيقي: رزق الإيمان الذي لا ينفد، والطاعة التي لا تبور، والبر الذي يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة. ومن هذا الباب أيضاً قصة أبناء عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه؛ فقد كان خليفة للمسلمين، ولو شاء لأورث أبناءه من بيت المال ما يغنيهم أبد الدهر، ولكنه حين حضرته الوفاة جمعهم وقال لهم كلمة تختصر معنى الرزق الحقيقي: "إن أباكم خُيِر بين أمرين: أن تستغنوا ويدخل النار، أو تفتقروا ويدخل الجنة؛ فاختار الجنة". وتركهم وما لهم من مال إلا اثني عشر درهماً لكل واحد منهم، وقيل: لم يترك لهم شيئاً. فماذا كانت النتيجة؟ يقول أهل التاريخ: إن أبناء عمر بن عبد العزيز أصبحوا بعد عشرين سنة يسرجون الخيول في سبيل الله، منفقين متصدقين من كثرة ما آتاهم الله من فضله، بينما أبناء ملكٍ آخر من ملوك بني أمية، وَرِث كل ابن منهم مائة ألف دينار، كانوا يقفون في المسجد يسألون الناس: "مِن مال الله يا عباد الله!". فأي الفريقين كان أغنى في الحقيقة؟ وأيهما كان أرزق؟ أما البركة، فقد قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]، فانظر كيف جعل الله الفتح معلقاً بـ"البركات" لا بـ"الكثرة"، وجعلها سبحانه آتية من السماء والأرض على أهل الإيمان والتقوى؛ وهذا هو معنى ما يطلبه المرء في دعائه حين يقول: "اللهم بارك لنا فيما رزقتنا"؛ فإنه يطلب البركة لا الكثرة، وفرق بين مَن يملك القليل فيكفيه وينفعه، ومَن يملك الكثير فلا يكفيه ولا ينفعه. وقد ضرب الله لنا في القرآن مثلاً لأصحاب الجنة، فلما مَنعوا حق المساكين منها بعث الله عليها ناراً من السماء فأصبحت سوداء كالليل المظلم (كالصريم)؛ فلم تنفعهم كثرتها حين ذهبت بركتها، وإنما كانت البركة في إطعام المساكين. فالبركة إذن ليست في كثرة ما تملك، وإنما في أثر ما تملك في قلبك وحياتك. وأما الطمأنينة، فيقول الله تعالى فيها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، وهي سكون القلب وثبوته، ومصدرها ذكر الله والإيمان به. وقد يزيدها الله بأسباب خاصة، كما في قصة الخليل إبراهيم عليه السلام حين سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]؛ فكان إبراهيم مؤمناً مطمئناً قبل الرؤية، وإنما طلب الرؤية سبباً لزيادة طمأنينته، لا مصدراً لأصلها. والطمأنينة أقوى من الأمن؛ فهي أمن وزيادة، ويتضح ذلك في وصف القرآن الكريم للقرية: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]؛ فالأمن هو انتفاء الخوف والسلامة من العدو، بينما الطمأنينة هي الدعة وهدوء البال، أي ثبوت ذلك الأمن ورسوخه واستقراره في النفوس وليس فقط في البلاد. وكم من آمن في ظاهره، وهو في قلبه من القلق والحيرة في أمر لا يعلمه إلا الله! وكم من خائف في ظاهره، وهو في قلبه من السكينة والرضا ما لو وُزِن لرجح! فليست الطمأنينة قرينة الأمن الحسي، وإنما هي قرينة الإيمان والذِكر؛ ولذلك قال الله تعالى في أوليائه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]. فإذا كان الإيمان يضمن البركة والطمأنينة، لا الكثرة ولا مجرد الأمن، فإن الإعراض عن ذكر الله يورث شيئاً آخر؛ فإن الله لم يتوعد من أعرض عن ذِكرِه وشرعِه بـ"ضيق" العيش، وإنما توعده بـ"ضنك" العيش. وشتان بين ضيق العيش الذي هو قَدَرُه لمن شاء من خلقه وإن كانوا متقين، وبين ضنك العيش الذي يلازم المعرضين؛ وإن كانوا من أهل الثراء الواسع. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤-١٢٥]. يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير: {فإن له معيشة ضنكاً}، أي: لا طمأنينة له في الدنيا، ولا انشراح لصدره؛ بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء؛ فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبه يتردد؛ فهذا من ضنك المعيشة. وقد يفتح الله على الكافر جميع أبواب الراحة والترف في الدنيا، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]؛ فالترف في هذه الحالة هو دليل استدراج لعذاب أليم. وهكذا كان قارون قد أوتي من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، فلم ينفعه ماله حين خسف الله به وبداره الأرض، وما كان غنياً في حقيقة أمره؛ وإنما كان فقيراً إلى رحمة ربه، مُعرضاً عن ذِكرِه، فكان في ضنك لا يشعر به من رآه. وكذلك كان فرعون ومَن تبعه، قد أُخِذُوا بالسنين (أي سنوات قلة الأمطار، والقحط، والجوع)، فما أغنى عنهم ما كانوا يجمعون. فلا يمكن لكافر مهما أوتي من أسباب النعيم والترف أن يعيش في حقيقة الطمأنينة التي هي ثمرة الإيمان والذكر؛ فإن الطمأنينة الكاملة الدائمة لا تكون إلا للمؤمن. وقد يُفتَح للكافر في الدنيا فيُعطيه من المتاع ما يُشغله، لكن قلبه لا يزال في قلق واضطراب، وإن استكنّ ذلك تحت ظاهر من السرور. ويدل على هذا الضنك الذي يعيشه أهل الإعراض آية الضنك نفسها: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه: ١٢٤]، ويؤيده مفهوم آية الحياة الطيبة للمؤمن: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: ٩٧]؛ فإذا كانت الحياة الطيبة جزاء المؤمن، فما دونها لأهل الإعراض. وهذه الحياة الطيبة التي وَعَد الله بها المؤمن لا تكون في كثرة المتاع، وإنما هي سكينة في القلب، وبركة فيما في اليد؛ فربّ قليل من المال مع البركة خير من كثير مع الحرمان. ثم إن في القرآن إشارةً لطيفةً إلى حكمةٍ أخرى في تقدير الرزق وعدم بسطه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٢٧]. وقد يُفهَم من الآية أنها جوابٌ عن سؤالٍ قد يخطر في نفس السامع؛ فإنه إذا عَلِم أن الله يستجيب للذين آمنوا، وأنه يزيدهم من فضله، تساءل: إن مما يسأل المؤمنون عنه سعة الرزق والبسطة فيه، وقد كان المؤمنون في صدر الإسلام في حاجةٍ وضيقِ رزق، إذ منعهم المشركون أرزاقهم وقاطعوا معاملتهم. فجاءت الآية تُقرِر أن الله لو بسط الرزق للناس كلهم لكان بسطه مفسدةً لهم؛ لأن الذي يستغني يتطرقه نسيان الالتجاء إلى الله، ويحمله على الاعتداء على الناس. فكان من الخير للمؤمنين في العاقبة أن لا يُبسَط لهم في الرزق؛ لأن في ذلك عصمةً لهم من الطغيان، وحفظاً لقلوبهم من التعلق بالدنيا. قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦]. وقد كان في ذلك للمؤمن فائدةٌ أخرى، وهي أن لا يشغله غناه عن العمل الذي به يفوز في الآخرة؛ وهذا الاعتبار هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم). وفي الحديث الآخر: (الغنى ليس عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس)؛ فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين التحذير من فتنة الغنى، وبيان أن حقيقة الغنى إنما هي غنى النفس، وهو الطمأنينة التي لا تنال بكثرة المتاع. ثم إن في إطلاق فعل التنزيل على إعطاء الرزق في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، لطيفةً بلاغيةً؛ فإنه دليلٌ على أن هذا العطاء منه سبحانه رفيع الشأن، فشُبِه بالنازل من علو، وقد تكرر مثل هذا الإطلاق في القرآن. ويجب أن لا يخاف الناس من الفقر، بقدر خوفهم من الذنوب التي تجلب الفقر في الدنيا والعذاب في الآخرة؛ فما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفِع إلا بتوبة. قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾ [الجن: ١٦]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا)؛ فجمع بين الأمن والكفاية والطمأنينة في كلمة جامعة، وليس في ذلك كثرة مال ولا سِعة عرض الدنيا. وقال أيضاً: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)؛ فالمؤمن مطمئن في الحالين، شاكر في الغنى، صابر في الفقر، لا يتغير قلبه بتغير حاله. وفي القرآن من القصص ما يزيد هذا المعنى وضوحاً؛ فقد كان يوسف عليه السلام في السجن، وهو ضيقٌ في ظاهره، ولكنه كان في طمأنينة وسكينة، حتى صار على خزائن الأرض. وكان أهل الكهف في كهف محصورين فيه، ولكن قلوبهم كانت في سكينة ورحمة. وكانت أم موسى في قلق وحيرة حين ألقت ولدها في اليم، ثم رد الله إليها ولدها لتقر عينها ولا تحزن؛ فكانت الطمأنينة بعد الضيق، والأمن بعد الخوف. فنسأل الله تعالى أن يثبتنا على الحق حتى نلقاه، وأن يرزقنا البركة والطمأنينة، وأن يجعلنا ممن يعقلون الفرق بين كثرة الرزق وبركته، وبين الأمن والطمأنينة، وبين ضيق العيش وضنكه؛ فإن في وعي هذه الفروق عصمة من الحيرة، وطمأنينة في القلب لا يعرفها إلا من ذاقها. فتحي صالح |
| الساعة الآن 02:10 PM. |
Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026