دوره في الإسلام
كان عمر من الصحابة المقربين، الذين شُهد لهم بقوة الإيمان واليقين والرضا بالقضاء والقدر، كما عُرف عنه اجتهاده في الطاعات وكثرة الصلاة والصيام والذكر والصدقات وقيام الليل، وكان صاحب علم وفقه، ومن أهل الفتوى.
وكان لعمر مكانة عند رسول الله، إذ كان مستشارا له عليه الصلاة والسلام، وكان ممن يثق بهم فجعله من جباة الزكاة واستأمنه على أموال المسلمين، وكان من كتّاب الوحي، وشارك في بناء مسجد قباء.
وشارك في الغزوات والمعارك، فشهد بدرا الكبرى وبعد انتصار المسلمين وأسر 70 رجلا من الكفار استشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر بما يفعله بالمشركين، فكان رأي أبي بكر أخذ الفدية، وكان رأي عمر قتلهم، فرغب عليه السلام برأي أبي بكر، وفي اليوم التالي نزلت آية قرآنية تؤيد موقف عمر بن الخطاب، وهي قوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم).
وفي غزوة أحد كان عمر من الذين ثبتوا حول النبي صلى الله عليه وسلم، وفي غزوة الخندق كان يقاتل المشركين حتى فاتته صلاة العصر فلعن الكفار والمشركين وصلاها قضاء مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي غزوة بني المصطلق كان له موقف حازم مع المنافقين، فطلب من النبي أن يسمح له بقطع عنق عبد الله بن أبي بن سلول بسبب الفتنة التي أوقدها بين المسلمين، ولم يسمح له النبي حتى لا يقال إن محمدا يقتل أصحابه.
ويوم الحديبية كان موقفه من الصلح واضحا، إذ كان رافضا للمكاسب التي أعطيت للمشركين حينها، وكان يرى أن المسلمين على حق والكافرين على باطل، وتساءل لماذا يعطي المسلمون الدنية في دينهم؟! إلا أنه انقاد لتعليمات النبي صلى الله عليه وسلم ونفذ أوامره.
وشارك في غزوة خيبر، وأرسله الرسول عليه الصلاة والسلام بعد خيبر بسرية إلى هوازن فبلغهم الخبر قبل وصوله فهربوا، ولما وصل عمر وسريته لم يجد منهم أحدا فعاد إلى المدينة.
وشارك عمر بمعركة ذات السلاسل تحت إمرة عمرو بن العاص، وسرية الخبط تحت إمرة أبي عبيدة بن الجراح، وكان أميرا على حرس النبي صلى الله عليه وسلم في يوم فتح مكة، وأمره النبي يوم الفتح أن يدخل الكعبة فيمحو كل صورة فيها.
كما شارك في غزوة حنين، وكان من ضمن القلة الذين ثبتوا حول النبي صلى الله عليه وسلم في بداية المعركة حين غُدر بهم. كما شهد غزوة تبوك وانتدبه النبي صلى الله عليه وسلم ليكون مع جيش أسامة بن زيد.
دوره في خلافة أبي بكر الصديق
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حدث خلاف بين المهاجرين والأنصار فيمن تكون الخلافة، وأشار الأنصار بوجود خليفتين، إلا أن عمر بن الخطاب طلب من أبي بكر الصديق مد يده لمبايعته فكان أول من بايعه ثم تبعه الصحابة المهاجرون ثم الأنصار، وفي هذا تذكير بفضل أبي بكر ومكانته وأحقيته بالخلافة، وخشيته من حدوث شقاق بين المسلمين.
وعند حدوث الردة ومنع الزكاة كان عمر مخالفا لأبي بكر في رأيه، ثم عاد بعد أن بيّن له أبو بكر الصواب، فكان نصيره ومعينه في حروبه.
وقد أشار عمر على أبي بكر بجمع القرآن بعد معركة اليمامة واستشهاد ما بين 600 و700 من المسلمين بينهم عدد كبير من الحفظة، فأمر أبو بكر زيد بن ثابت بجمع القرآن فتتبعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، وجمع الصحف كلها عند أبي بكر حتى توفاه الله.
وكان عمر مستشارا لأبي بكر يعينه في إدارة الدولة، وتنظيم شؤون الرعية وأمور القضاء، واستخلفه أبو بكر على المدينة حين خرج معتمرا، وحج عمر بالناس في خلافة أبي بكر، كما صلى بهم في غياب أبي بكر.
خلافته
استخلف أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب على المسلمين قبل وفاته بعد أن استشار كبار المهاجرين والأنصار، وكتب عثمان بن عفان بأمر من أبي بكر وصية الاستخلاف، وتولى عمر بن الخطاب ولاية المسلمين الثلاثاء 22 جمادى الآخرة سنة 13 للهجرة.
وطلب عمر من الرعية طاعته وطاعة ولاته، وبيّن لهم أن صلاح الحاكم من صلاح رعيته، ونبههم على أهمية توجيه النصيحة له، وكان يحب من يخبره بعيوبه، ويفرح إن وضح له أحد خطأه فيقوم بتصحيح موقفه.
وكان عمر حريصا على رعيته يخاف الله فيهم، ويتفقد أحوالهم، وكان الناس يثنون على عدله وحسن إمارته وأدائه لحقوق رعيته، وكان حريصا على سماع شكاوى الناس وحل أمورهم، وإطعام محتاجهم، ومواساة فقرائهم، ومساعدتهم في قضاء حوائجهم، وكان يكرم أهل الفضل ويقرب منه أهل الصلاح والتقوى ويستشيرهم في أمور الرعية.
وحرص عمر في تولية الولاة على المناطق أن يكونوا من خير الرعية متصفين بالصلاح والتقوى ومعروفين بالاستقامة، وأن يكونوا من صحابة رسول الله، وألا يكونوا من قومه فكان يجنب أقاربه وأبناءه الولاية، وأن يكونوا من ذوي الخبرة والدراية في إدارة أمور الرعية وفي السياسة، وأصحاب فطنة وذكاء ورحمة ومودة وشفقة على المسلمين ولديهم زهد بالدنيا ومتاعها.
وعزل من قصّر بأمر رعيته، أو شكته رعيته إلى عمر وتثبت من الشكوى وصحتها، أو من لم يمتثل لأوامر الخليفة.
وفي عهده كتب القرآن في مصحف واحد، وأشرف على ذلك نفر من الصحابة وبرواية سعيد بن العاص، وكتبه زيد بن ثابت بخطه، وكان يحرص أن يكون من يعلم القرآن متقنا له ولقراءته وترتيله.
وكان مهتما بإقامة شعائر الدين، لا سيما الصلاة وأداءها، والاهتمام بالمساجد وأئمتها، وكان يحث رعيته على اتباع الشعائر والاتيان بها من صلاة وصيام وحج، كما اهتم عمر بالعلم والعلماء ورفع مكانتهم، وعني بالشعر والشعراء وتعلم الأخبار، وكان يرسل الفقهاء ليعلموا الأمصار أمور دينهم.
ويعد عمر بن الخطاب أول من وضع التأريخ الهجري.
الفتوحات في عهده
فتح المسلمون دمشق في عهد عمر بن الخطاب، وقاد الجيش آنذاك خالد بن الوليد قبل عزله، وكان قائد الروم باهان، وبعد قتال شديد انسحب جيش الروم إلى دمشق وأغلقوا الأبواب فتسلل بعض الصحابة وفتحوا الباب للجيش ودخل المسلمون دمشق وكُتب صلح بينهم وبين الروم.
كما فتحت القدس في عهده بعد حصار دام 4 أشهر، إذ اجتمعت الجيوش بقيادة عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح فيها، فاستسلم أهلها، وجاء عمر إليها وتسلم مفاتيحها من الروم.
وفتحت المدائن في عهد عمر بن الخطاب ونهاوند والأهواز. وساعد على هذه الفتوحات اهتمام عمر بالقدرة القتالية وتهيئة الجيش والقوة البدنية للجند وتعلمهم المهارات القتالية المختلفة ورفع لياقتهم، والخوف على الجيش والجند والحرص على حياتهم والاعتراف بفضلهم ومكانتهم.
وحرص عمر على تجهيز الجيوش تجهيزا جيدا وإعدادها وإمدادها الدائم بالعدة والعتاد. وكان يحث الجند دائما وقادة الجيوش على الصبر والتوكل على الله وعدم اليأس واليقين بالفرج، والشجاعة والاستبسال.
ويعد عمر أول من أنشأ ديوان الجند بدعوة من الصحابة لضمان حقوق الجند ولتوزيع الفيء وإعطاء الناس بالعدل.
استشهاده
كان عمر بن الخطاب يؤم المسلمين في صلاة الفجر فطعنه أبو لؤلؤة المجوسي بسكين مسموم، وطعن 13 رجلا من المسلمين وهو يحاول الفرار واستشهد منهم 7، ثم قتل نفسه بعد أن حوصر. وطلب عمر استدعاء طبيب ليرى جرحه، فأتى الطبيب وسقى عمر نبيذا فخرج من الجرح واشتبه على الطبيب لون النبيذ بالدم، فجاء طبيب آخر وسقى عمر لبنا فخرج من مكان الجرح لونه أبيض، وطلب الطبيب من عمر أن يعهد لأن أجله اقترب.
ورشح عمر 6 من الصحابة للخلافة هم عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد، وأوصاهم بتقوى الله وطلب منهم مبايعة من يبايعه عبد الرحمن بن عوف، ومن يأبى يُضرب عنقه، وأمر عمر ابنه عبد الله أن يسد دينه، ويستأذن عائشة ليدفن في بيتها بجوار صاحبيه؛ النبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر الصديق.
ورويت عدة أقوال في تاريخ وفاته، تراوحت تواريخها جميعا ما بين نهاية ذي الحجة وبداية محرم، سنة 23 للهجرة، وغسّله ابنه عبد الله وكفنه، وصلى عليه الصحابة الكرام صلاة الجنازة، ودفن في حجرة عائشة بجانب صاحبيه. وكانت مدة خلافته 10 سنوات و5 أشهر و21 ليلة، رضي الله عنه وأرضاه.