![]() |
المشيئة والإرادة (الجزء السابع عشر)
من روائع بيان القرآن وعظمته أن نجد فيه دقّةً بالغة في اختيار الألفاظ، حتى في المواضع التي يبدو فيها التعبير متشابهًا في ظاهره، بينما يكشف السياق عن فروق دقيقة في الدلالة. فنلاحظ إن صيغة، ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، قد تكررت مرتين في القرآن الكريم، وصيغة، ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ قد تكررت ايضا مرتين في القرآن الكريم، ففي سياق ( الإرادة) قال تعالى: ﴿وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یَفۡعَلُ مَا یُرِیدُ﴾ [البقرة: 253] وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یُدۡخِلُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَفۡعَلُ مَا یُرِیدُ﴾ [الحج: 14] أما في سياق (المشيئة ) فقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ یَكُونُ لِی غُلَـٰمࣱ وَقَدۡ بَلَغَنِیَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِی عَاقِرࣱۖ قَالَ كَذَ ٰلِكَ ٱللَّهُ یَفۡعَلُ مَا یَشَاۤءُ﴾ [آل عمران: 40] وقال تعالى: ﴿وَمَن یُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَفۡعَلُ مَا یَشَاۤءُ ۩﴾ [الحج: 18] وفيما يخص (المشيئة) وردت صيغة مشابهة غير أن الفعل تقدم على لفظ الجلالة (الله) كما في قوله تعالى: {وَیَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا یَشَاۤءُ } [إبراهيم: 27] وهذا بلا شك من جمال البيان القرآني وروعة نظمه. وما يزيد هذا التعبير جمالًا ودقّةً هو أن اسم الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ قد ظهر في المواضع الخمسة جميعًا، فلم يقل مثلًا: «وهو يفعل ما يريد» أو «وإنه يفعل ما يشاء»، مع العلم أن إسم الله العلم قد سبق ذِكره في الآيات لذا فالإشارة اليه بالضمير ممكن جداً. ولكن السياق أظهر اسم الله العلم في المواضع الخمسة، ليبقى الفعل مسندًا صراحةً إلى الله، وكأن السياق يستحضر أمامنا جلال هذا الإله العظيم الذي يفعل ما يشاء، ويفعل ما يريد، فلا يشير إليه بالضمير، بل يذكر اسمه صراحةً. وهنا يبرز السؤال الذي يكشف لنا سرّ هذا الاختيار القرآني: فمتى يقول القرآن: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، ومتى يقول: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾؟ لقد بيّنّا في الأجزاء السابقة أن الإرادة عامة ثابتة لا تتغير، وتتجلّى فيها عظمة الله سبحانه في الخلق والإيجاد، بينما المشيئة خاصة متغيّرة، وتتجلّى فيها حكمته سبحانه في تدبير شؤون العباد. وقلنا: إن ما يتعلّق بالعباد وأفعالهم وأحوالهم يقع في دائرة المشيئة؛ ولذلك قال تعالى: { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟یۡءٍ إِنِّی فَاعِلࣱ ذَ ٰلِكَ غَدًا (23) إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُۚ (24) } [الكهف: 23-24] فربط أفعالنا بمشيئته سبحانه، ولم يقل مثلا: (إلا أن يريد الله) وأيضًا قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاۤءُونَ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [التكوير: 29] ويتضح الأمر أكثر في قوله تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِی ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَاۤءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَاۤءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاۤءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاۤءُۖ بِیَدِكَ ٱلۡخَیۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾ [آل عمران: 26] فكل هذه الأمور المتعلّقة بالعباد، من إيتائهم الملك ونزعه منهم، ومن إعزازهم وإذلالهم، وكل ما يتصل بأحوالهم المتغيّرة، يجري تحت مشيئة الله سبحانه، ووفق حكمته وتدبيره لذلك ربطعا بمشيئته سبحانه لا بإرادته. ولذلك قلنا: إن لله مشيئات متغيّرة ومختلفة وخاصة لكل عبد من عباده، تتابع تغيّر أحواله وتبدّل أفعاله بشكل فردي، وتدبّر شؤونه بحسب ما تقتضيه حكمته سبحانه. أما الإرادة، فلا توجد إرادة خاصة لكل عبد على نحوٍ فردي؛ لأن الإرادة عامة وثابتة، ويقع تحت حكمها الجميع، بل الكون كله. وتتجلّى فيها عظمة الله سبحانه في الخلق والإيجاد. ولذلك يقول تعالى: ﴿إِنَّمَاۤ أَمۡرُهُۥۤ إِذَاۤ أَرَادَ شَیۡـًٔا أَن یَقُولَ لَهُۥ كُن فَیَكُونُ﴾ [يس: 82] فعبارة ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، بما تحمله من دلالة على العظمة والقدرة المطلقة، قد ارتبطت في أكثر من موضع بإرادة الله وقضائه، ولم ترتبط بالمشيئة إطلاقًا. ومن هنا، إذا قارنا بين المواضع الخمسة، ظهر لنا وجه دقيق من وجوه البيان القرآني في اختيار ﴿يُرِيدُ﴾ هنا و﴿يَشَاءُ﴾ هناك. فأما بخصوص المشيئة في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ یَكُونُ لِی غُلَـٰمࣱ وَقَدۡ بَلَغَنِیَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِی عَاقِرࣱۖ قَالَ كَذَ ٰلِكَ ٱللَّهُ یَفۡعَلُ مَا یَشَاۤءُ﴾ [آل عمران: 40] فنحن هنا أمام حالة خاصة، تخص سيدنا زكريا عليه السلام وزوجه. فليس كل الناس يبلغون من الكِبَر مبلغ زكريا عليه السلام وزوجه ثم يُرزقون بالذرية، وليس كل النساء يعانين من العُقر ثم يُرزقن بالولد بعد سنين طويلة. والذرية نفسها تختلف من عبد إلى آخر؛ فمنهم من يُرزق، ومنهم من يُمنع، ومنهم من تتأخر عنه، ومنهم من تأتيه في وقت دون وقت. فهذا أمر يتغيّر من عبد إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، ومن حال إلى آخر؛ ولذلك جاء التعبير القرآني: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ فجاءت المشيئة هنا لتناسب خصوصية الحالة واختلافها وتنوعها وتغيّرها. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن یُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَفۡعَلُ مَا یَشَاۤءُ﴾ [الحج: 18] فالحديث هنا عن إهانة العباد وإكرامهم، وهذا أيضًا من الأمور المتفاوتة والمتغيّرة والتي تختلف من عبد إلى آخر؛ فالله لا يُكرم عباده جميعًا ولا يُهينهم جميعًا، بل إن هذا الأمر خاص ومتعلق بكل عبدٍ على حدة. ثم إن حال العبد نفسه قد يتغيّر مع الزمن؛ فقد يُكرم الله عبده اليوم، ويهينه غدًا، وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِی ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَاۤءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَاۤءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاۤءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاۤءُ﴾ [آل عمران: 26] إذن هي أحوال متغيرة، تتبدّل بتبدّل الأشخاص والأزمان والظروف؛ ولذلك ناسبها التعبير بالمشيئة: {إِنَّ ٱللَّهَ یَفۡعَلُ مَا یَشَاۤءُ ۩ } [الحج: 18] وكذلك في قوله تعالى: { یُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَفِی ٱلۡـَٔاخِرَةِۖ وَیُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِینَۚ وَیَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا یَشَاۤءُ } [إبراهيم: 27] فهنا الحديث عن الضلال وقد ذكرنا سابقا بان الضلال والهداية على الاغلب يرتبطان بالمشيئة لا بالإرادة، لانهما من الامور الخاصة والمتغيرة والتي تتعلق بكل عبد على حده ولذلك غالبا ما تتعلق بالمشيئة إلا في بعض الاستثناءات التي تحدثنا عنها في الاجزاء السابقة. وأما بخصوص الإرادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یُدۡخِلُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَفۡعَلُ مَا یُرِیدُ﴾ [الحج: 14] فالسياق هنا مختلف تمامًا. فلو سألنا: هل الحكم هنا خاص أم عام؟ الجواب: بلا شك هو حكم عام لكل من آمن وعمل الصالحات، ولا يختص بعبد دون آخر. والوعد بالجنة في هذا السياق ليس حالة فردية متغيرة، وإنما هو وعد عام ثابت لن يتغير لكل من تحقّقت فيه الشروط المذكورة. ثم لو سألنا: هل يمكن لهذا النعيم أن يتغير أو أن يُنزع من صاحبه بمرور الزمن؟ أي هل يُدخل الله المؤمنين الجنة ثم يخرجهم منها بعد زمن محدد، فيتحول نعيمهم إلى عذاب؟ أو بمعنى آخر: هل هناك احتمالية تغير حال أصحاب الجنة إلى حال سيء مع مرور الزمن؟ الجواب: قطعًا لا. فالنعيم الأخروي الذي وعد الله به أهل الإيمان والعمل الصالح نعيم ثابت لن ينزعه الله منهم، ولن يتبدل ولن ينقلب إلى نقيضه أبدًا، ولا علاقة له بالزمن مهما طال وتغير. إذن نحن أمام حكم عام، شامل، ثابت، لا يختلف باختلاف العباد ما دام الوصف واحدًا، ولا يتغير مع الزمن. لذا جاء التعبير بالإرادة: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ لأن المقام مقام الإرادة العامة الثابتة، لا مقام المشيئة الخاصة المتغيّرة. أما الموضع الآخر، في قوله تعالى: ﴿وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یَفۡعَلُ مَا یُرِیدُ﴾ [البقرة: 253] فهنا الحديث عن الاقتتال الذي وقع بين الأقوام والجماعات للإختلاف الذي وقع بينهم بعد رسلهم. ولو سألنا: هل هذا الأمر خاص بعبد دون آخر أم إنه أمر عام؟ الجواب: بلا شك هو أمر عام يتعلّق بالأقوام والأمم، ولا يتعلق بفرد بعينه. ثم لو سألنا: هل هذا الإختلاف أو الإقتتال قد وقع في فترة محددة ثم انتهى وتغيّر مع مرور الزمن، وأتفق الجميع على كلمةٍ واحدةٍ ورأي واحد وساد السلام والوئام والمحبة والإتفاق بين جميع الأقوام سواءً فيما بينهم او مع غيرهم، أم إن هذه الإختلاف والصراع مستمر ويتكرر بأشكال وصيغ وعناوين مختلفة؟ الجواب: بلا شك انه مستمر ويتكرر لأسباب مختلفة وبأشكال مختلفة، وهو مستمر منذ ذلك الوقت، وإلى وقتنا هذا، ولكن بصور وعناوين شتى، وسيستمر، والله أعلم، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والكل يعرف ماذا سيقع في الدنيا من اقتتال وحروب قبل نهايتها. ومن هنا جاء التعبير: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ فالسياق هنا يتحدث عن أمر عام يتجاوز الفرد إلى الجماعات والأقوام والأمم، ولا يختص بحالة فردية متغيرة، ولا بزمن متقلب متغير. وهنا تظهر لنا الدقة العجيبة في التعبير القرآني: فحيث كان الحديث عن أمر خاص، يتعلق بحالة فردية، ويتصف بالتغيّر في أصله مع تغيّر الأشخاص والأحوال والأزمان، جاء التعبير عنه مرتبط بالمشيئة فيقول: ﴿الله يَفۡعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. وحيث كان الحديث عن أمر عام، يشمل عمومًا أوسع، ويتصف بالثبات وعدم التغيّر في أصله، ومتحرر من قيد الأشخاص وأحوالهم وأزمانهم، جاء التعبير عنه مرتبط بالإرادة فيقول: ﴿الله يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. وهكذا لا تكون المشيئة والإرادة في القرآن لفظين مترادفين يُستبدل أحدهما بالآخر كيفما اتفق، وإنما لكل لفظ موضعه، ولكل موضع حكمته، ولكل اختيار دلالته. ولو استُبدلت كلمة المشيئة بالإرادة في موضعها، أو الإرادة بالمشيئة في موضعها الآخر، لبقي المعنى العام مفهومًا، ولكن شيئًا من خصوصية السياق ودقّة البيان كان سيضيع. وهذا من روعة البيان القرآني؛ أن تقرأ الآية مرةً فتفهم معناها، ثم تعود إليها مرةً أخرى فتكتشف أن وراء كل كلمة عالمًا من الدقة والجمال. فسبحان من هذا كلامه، ومن هذا بيانه، ومن هذا إحكامه؛ كتابٌ كلما أمعنّا النظر فيه، ازددنا يقينًا أن وراء كل لفظةٍ حكمة، ووراء كل اختيارٍ عظمة. وفوق كل ذلك إله عظيم. من كتاب «أنس القرآن وروعة البيان» للدكتور أنس كمال |
| الساعة الآن 10:41 AM. |
Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026