![]() |
هل تنتهي الخصومة عند القبور؟
حين يبلغ الإنسان خبر وفاة من ظلمه أو أساء إليه، يجد نفسه أمام امتحان حقيقي بين مرارة الظلم وفضيلة التسامح. فقد تكون الإساءة عميقة، والجراح مؤلمة، والذكريات عصية على النسيان، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يستمر الخصام حتى بعد أن يصبح صاحبه بين يدي الله؟ لا أحد ينكر حق المظلوم في المطالبة بحقه، ولا يستطيع أحد أن يفرض عليه العفو، خصوصًا إذا تعرض للإهانة والتشهير والافتراء والإساءة إلى أسرته. فبعض المظالم تترك آثارًا لا تمحوها السنوات، ولكن هل يبرر ذلك أن نستقبل خبر الموت بالدعاء على صاحبه بالعذاب، بدلًا من ترك أمره لعدل الله ورحمته؟ قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. فالله لم يسلب المظلوم حقه، لكنه جعل العفو منزلة أسمى لمن استطاع إليها سبيلًا. إن الموت لا يمحو حقوق العباد، لكنه يذكرنا بأن من رحل قد أفضى إلى ربه، الذي يعلم ما خفي من الحقائق، ويعرف الظالم والمظلوم، ولا يضيع عنده حق أحد. ونحن لا نعلم كيف كانت خاتمة الراحل، ولا ما بينه وبين خالقه من توبة أو ندم. وهناك فرق كبير بين من لم يستطع المسامحة فصمت وفوض أمره إلى الله، وبين من حمل غضبه إلى ما بعد القبر، وظل يلاحق خصمه بالدعاء عليه حتى بعد رحيله. إن التسامح ليس ضعفًا، والعفو ليس تنازلًا عن الكرامة، بل سمو بالنفس عن استمرار الخصومة مع من لم يعد في هذه الدنيا. ومن لم يستطع العفو، فحسبه أن يترك الحساب لمن لا يظلم عنده أحد. ويبقى السؤال: هل يمكن أن يبلغ الظلم بالإنسان حدًا يجعله يرفض مسامحة خصمه حتى بعد موته؟ أم أن رحيل الإنسان ينبغي أن يطفئ نار الخصومة، ويترك مكانها للعفو والرحمة؟ وأيهما أعظم عند الله: أن نتمسك بحقنا في القصاص، أم أن نعفو عمن ظلمنا طمعًا في عفو الله عنا؟ محمد علي مفتي |
| الساعة الآن 10:47 AM. |
Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026