![]() |
فضائل العشر الأواخر و ليلة القدر
الخطبة النصية للشيخ خالد أبو جمعة من المسجد الأقصى المبارك - الجمعة 17 رمضان (9) 1447 - 6 أذار (3) 2026م (فضائل العشر الأواخر وليلة القدر) إنَّ الحمدَ لله، نحمَدُهُ وَنستعينُهُ ونستهديهِ ونستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفُسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِهِ اللهُ فهوَ المُهتَد، ومن يُضلِلْ فلا هادي له. وأشهدُ ألا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، المَلِكُ الحقُّ المبينُ، القائل: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّت لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: ١٣٣]. وأشهدُ أنَّ سَيِّدَنَا وحَبِيبَنا وقَائدَنا وقُدْوَتَنا مُحَمّداً رَسُولُ اللهِ، الصّادقُ الوعدِ الأمينِ، القائل: (جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لا إِلَهَ إِلا اللهُ). اللهمَ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى سَيِّدِنَا مُحمّدٍ، طِبِّ القلوبِ ودوائِها ونورِ الأبصارِ وضيائِها وعافيةِ الأبدانِ وشفائِها وقوتِ الأرواحِ وغذائِها، صَلاةً وسَلاماً تَامَّيْنِ أَكْمَلَيْنِ لا يَعْتَرِيهِما انصِرَام، وَلا يَنقَضِيَانِ مَع تَعَاقبِ الليالي والأيَّام. أمَّا بَعدُ يا عبادَ اللهِ، أوصِيكم وَنَفسِيَ بِتقوى اللهِ ولُزومِ طَاعَتِه، وَأُحَذِّرُكُم وَإيَّايَ من عِصيانِهِ ومُخالفةِ أمرِه. (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:١١٩]. عبادَ اللهِ: ها قَد شَارَفَ الشَّهرُ الفَضِيلُ على الانقضاءِ، مَضَى مِنهُ الكَثيرُ، ولَمْ يَبقَ إلا القليلُ، رِفقَاً بِنَا رَمَضَانُ، فَمَا تَزَوَّدنَا مِنكَ غَيرَ القليل، أيامٌ مَضَت وَانقَضَت، وَحَمَلَت مَعَها سُوَيعاتٍ مِنَ الطَّاعةِ، لا نَدرِي أَقُبِلَتْ مِنَّا فَنُهَنِّي أَنفُسَنَا بِقَبُولِهَا، أَم رُدَّت عَلَينَا فَنُعَزِّي أنفُسَنَا بِضَيَاعِها، مَضَى من رَمضانَ شطرُهُ، وَانقضى مِنهُ أكثرُهُ، فَاغتَنِمُوا فُرصةً تَمُرُّ مَرَّ السّحابِ، وادخُلُوا قبلَ أن يُغلقَ البَابُ. اللهمَّ أَعِنَّا عَلَى تَدَارُكِ مَا فاتَنَا مِن خَيرٍ فِي هَذا الشَّهرِ الفَضِيلِ، يَا أرحَمَ الرَّاحِمِينَ. أَيُّها الصَّائِمونَ: إِنّها العشرُ الأواخر مِن شَهرِ رَمضان، تُقبِلُ عَلَيْنا، أَيامُ رَحمةٍ ومَغفرةٍ وعِتقٍ مِنَ النَّارِ، أيامُ قِمَّةِ الجِّدِ والاجتهادِ والتّقرُّبِ بِالطَّاعاتِ، فِيها النَّفحاتُ الإلهيةُ، والفُيُوضاتُ الرَّبَّانِيَّةُ، وَالعطايا الرَّحمَانِيَّةُ، أيامٌ.. دَأَبَ فيها الحبيبُ صلى الله عليه وسلم عَلى الاعتكافِ في المَسجِد، والإكثارِ فيها مِنَ العِبَاداتِ، من صلاةٍ وذِكرٍ وَقراءةِ قُرآنٍ، فَعَنْ أمِّ المؤمنين عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ). أيها الأحباب: إضافةً لِما فِي هذهِ العَشرِ مِنَ الفَضلِ، فَقَد تَوَّجَهَا ربُّنا بِلَيْلَةِ القَدْرِ، هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلفِ شَهرٍ، قَال فيها ربنا عزّ وجَلَّ: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِن أَلْفِ شَهْرٍ) [القدر: ٣]، يُسنُّ للمُسلمِ أَن يَتَحَرَّاهَا وَيَنوِي إِحيَاءَهَا فِي هذهِ العشر، لِيُوَافِقَهَا وَيَحظَى بِفَضلِهَا، وقد صحَّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قوله: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)، أيها الصّائمون: إنَّنَا عِندَمَا نُذكِّرُ النّاسَ بِلَيْلَةِ القَدرِ، وَمَا فِيهَا مِن خَيرٍ وَفَضلٍ وَبَرَكَةٍ وَعَطاءٍ، لا بُدّ لَنَا أَن نَستَذكِرَ مَعَهَا أَمراً فِي غَايَةِ الأهَمِّيَةِ، إِنَّهَا المَحَبَّةُ وَالأُلفَةُ وَالتَّآخِي بَينَ المُسلِمين، وَضَرورةُ تجنبِّ التَّناحُرِ والتباغضِ بَينَهُم، والابتعادُ عن أَسبابِ الفُرقَةِ وَالاختِلافِ، فعن عُبَادَةِ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاَحَى رَجُلاَنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: (إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ). أَتَدرُونَ يا عبادَ اللهِ مَا هُوَ التَّلاحِي؟ إِنَّهُ التَّنازُعُ وَالتَّخاصُمُ، النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَخرُجُ لِيُعيِّنَ لِلمُسلِمينَ لَيلَةَ القَدرِ بِمَا فِيهَا مِنْ خَيرٍ عَمِيمٍ لَهُم، فَيَتَنَازَعُ اثنانِ، فَيُرفَعُ تَعيينُهَا وَتُترَكُ لاجتِهادِ المُجتَهِدِين، خَيرٌ عَظِيمٌ يُرفَع، بِســَبَبِ خُصُومَةٍ بَينَ اثنينِ، نَعم أيُّهَا الأحباب، هَكَذَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ يَحتاجُ عُقُوَبَةً رَادِعَةً، وَأَيُّ عُقُوبَةٍ أَعظَمُ مِن حِرمَانِ الخَيرِ! فَاصطَلِحُوا فِيمَا بَينَكُم، وَحَافِظُوا عَلى أُخُوَّتِكُم، وَلا تَجْعَلُوا للشَّيطانِ بَينَكُم سَبِيلاً، وَتَذَكَّرُوا قولَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُم تُرْحَمُونَ) [الحجرات: ١٠]، وقولَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا). أيُّها الصَّائمون: إِنَّ مِنْ أَعظَمِ مَعانِي شهرِ رَمَضان، التَّكافلُ الاجتماعِيُّ، وَالتَّعاوُنُ بَينَ النَّاسِ، وَالإكثارُ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالإنفاقِ في أبوابِ الخَيرِ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ). وَنَحنُ في هذا الشّهرِ الكريمِ، شَهرِ الجُودِ وَالكَرَمِ، نَهيبُ بِكُمْ أَيُّها الصَّائمون، أَن تَطرُقُوا أَبوابَ الخَيرِ، بِمَزيدٍ مِنَ الإنفاقِ في سَبيلِ اللهِ، وَأن تُخرِجُوا صَدَقَاتِكُمْ وَزَكَاةَ أَموَالِكُم، ولا تَخْشَوْا فَقْرَاً، فَقَد كَانَ مِنْ قَسَمِهِ صلى الله عليه وسلم: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ. أيُّها الأحباب: إنّها سُوَيْعَاتٌ قَلِيلَةٌ، لا تَلبَثُ أَن تَنقَضِي، فاغتَنِمُوها بِكَثرَةِ الطَّاعَاتِ، وَالمُسارَعَةِ فِي الخَيْرَاتِ، وَأَكثِرُوا مِنَ الصَّلاةِ وَالذِّكرِ وَالدُّعَاءِ، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ) [البقرة: ١٨٦]، وأَصْلِحُوا مَا بَينَكُم وَبَينَ اللهِ، بِالتَّوبَةِ النَّصُوحِ وَالابتعادِ عَنِ المَعَاصِي، وَمُدَاوَمَةِ الطَّاعَاتِ. ثَبَّتَنَا اللهُ وَإِيَّاكُم عَلَى الحَقِّ، وَوَفَّقَنَا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرضَاهُ، وَأَعانَنَا عَلَى تَدَارُكِ مَا فَاتَنَا مِن تَقصيرٍ فِي هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ، وَبَلَّغَنَا لَيلَةَ القَدرِ، إِنَّهُ جَوَادٌ كَريمٌ. جاءَ في الحديثِ الشّريفِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلا مَحْرُومٌ). أو كما قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له). (ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ)، فيا فوز المستغفرين استغفروا الله. الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ كَمَا أَمَرَ، وَجَلَّ رَبُّنَا وَتَعَالَى عَن مُشَاكَلَةِ البَشَرِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، صَاحِبِ الوَجهِ الأَنوَرِ، وَالجَبِينِ الأَزهَرِ، وَالشَّفِيعِ المُشَفَّعِ يَومَ المَحشَرِ، وَارضَ اللّهُمَّ عَن سَادَاتِنَا ذَوِي القَدرِ العَلِيِّ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنِ التَّابِعِينَ لَهُم بِإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. اللهم آمنّا في أوطاننا وفرّج الكرب عنا، اللهم احفظ المسجد الأقصى من كلّ سوء، وارزقنا الصّلاة فيه في كلّ وقتٍ وحينٍ، اللهم أرنا الحقّ حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً ووفّقنا اجتنابه، اللَّهُمَّ اجعلنا هداةً مهديّين، لا ضالّين ولا مضلّين، اللهم صل على سيدنا محمد في الأولين، وصل على سيدنا محمد في الملا الأعلى إلى يوم الدين. (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت: ٤٥]. |
| الساعة الآن 12:10 AM. |
Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026